إذا كان هناك تناقض صارخ بين الاسم والمسمى في اللغة والواقع فإنه ينطبق وبكل المقاييس والحروف على ما يسمى حزب "الاستقلال المغربي". في الحقيقة هذا الحزب هو حزب استعماري في عمقه وفلسفته وأيدلوجيته وتفكيره وحلمه، وهو الذي سبب كل المآسي التي عرفتها منطقة شمال غرب إفريقيا. فهذا الحزب لم يكن في أي يوم من الأيام قائد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي إبان وجوده في المغرب، ولم يخوض معركة واحدة تحسب له أو يطلق طلقة، وكتحصيل حاصل هو حزب متآمر مع الاستعمار دائما مثله مثل النظام الملكي.
فحين تآمر محمد الخامس مع فرنسا للبقاء كملك في المغرب سنة 1956م أبَانَ حزب "الاستقلال" عن أنياب الشر والتوسع والاستعمار ضد جيرانه وبدأ يعد عدته كي يوقع بالثورة الجزائرية والثورة الصحراوية (جيش التحرير الصحراوي) ويخطط مع الاستعمار الفرنسي كي تمنح للمغرب حوالي ثلث المساحة الجزائرية وتمنحه موريتانيا.
تاريخ توسعي: المطالبة بخارطة الرمال الوهمية:
"ففي شهر نوفمبر 1955م وقبل "استقلال" المغرب بسنة نشر حزب الاستقلال ما سمي "بالكتاب الأبيض" الذي يحتوي على أفكار توسعية مفصلة تشمل ثلاث دول هي موريتانيا والصحراء الغربية وجزء كبير من الغرب الجزائري.
فغداة استقلال المغرب مباشرة عن فرنسا بدأ حزب الاستقلال يروج لأفكاره التوسعية التي ترسم حدودا وهمية لا وجود لها في التاريخ. في تجمع حاشد لحزب الاستقلال المغربي سنة 1956م أخذ زعيم الحزب علال الفاسي عصاه ورسم على الرمال خارطة كبيرة تضم أراضي شمال غرب أفريقيا وقال مخاطبا قادة حزبه:-
" نطالب بكل أجزاء الإمبراطورية العلوية التي لم تتحرر بعد والتي تبدأ من طنجة شمالا مرورا بالصحراء الغربية وصولا إلى الصحراء والحدود الجزائرية، بشار الاغواط ، ادرار مرورا باطار في موريتانيا وصولا إلى السينغال، وإذا لم تتحرر هذه المناطق فإن من واجبنا أن نقوم بفعل لنحرر وطننا ونوحده."*
وحدث تصفيق "حماسي" للخطاب..
ولم يكتف هذا الحزب التوسعي بهذا، بل انه في 27 مارس 1956م قال زعيمه ممعنا في تعميم الفكر التوسعي ضد الجيران:" مادام النظام الدولي قائما في منطقة طنجة والصحاري الأسبانية، من جنوب تندوف الى اطار، إذا لم تزاح الوصاية عن الأقاصي الجزائرية المغربية يبقى استقلالنا مبتورا، وواجبنا الأول هو متابعة العمل من اجل تحرير البلاد وتوحيدها."*
والواقع أن هذه خارطة خيالية وهمية لا وجود لها في التاريخ ولا أساس لها من الصحة، إذ أن المصادر التاريخية من أقصى التاريخ لم تذكر لنا أن احد ملوك المغرب سيطر على هذه المنطقة أو على الأقل حاول الوصول إليها إلا إذا كان في حلم اليقظة او كوابيس النوم..
ففي جوان 1956م قام الحزب بنشر نسخة جديدة من الكتاب الأبيض تتضمن خارطة وهمية تشمل الصحراء الغربية والصحراء الجزائرية وبلاد شنقيطي، وقام بإعدادها ورسمها عبد الكريم الفاسي بن عم علال الفاسي وهو الذي قام بتوزيعها بنفسه في القاهرة يوم 3 جويلية 1956م" في نفس التاريخ الذي صدر فيه الكتاب الأبيض في جوان 1956م قامت جريدة العلم المغربية لسان حزب الاستقلال بنشر الخارطة الوهمية المذكورة على صفحتها الأولى. لقد أراد حزب الاستقلال استغلال خارطة المغرب الكبير ليثير في المغربيين وطنية خيالية للتحرر، وليقول لهم بلغة غير صريحة أن نظام الملكية سيفرط في أراضي المغرب الكبيرة الواسعة وعليهم التفكير في نظام يعيد إليهم أرضهم. إن هذه المطالبة ما هي إلا حملة انتخابية حاول حزب الاستقلال أن يصل من ورائها إلى السلطة وتقويض الملكية.
ولم يقف علال الفاسي بهذه التصريحات بل قام بتعميمها في العالم العربي ومصر خاصة، وأعاد التأكيد عليها في يوم 19جوان 1956:إن حدود المغرب تنتهي عند سانت لويس بالسينغال."*
وحتى يسعر حملته أكثر أصدر حزب الاستقلال سنة 1956م مجلة أسبوعية عنوانها "الصحراء" لم تدم طويلا كرسها لنشر الأبحاث التاريخية التي تثبت أية صلة للصحراء بالمغرب سواء عن طريق التاريخ أو الجغرافيا أو الثقافة."
ولم يتوقف زعيم حزب الاستقلال بهذا الخطاب وهذه المقالات بل أعاد رسم خارطة " مغربه الكبير" في جريدة العلم المغربية يوم 7 جويلية 1956م مرفقة بمقال له يذكر فيه أن حدود المغرب يجب أن تمتد إلى ما وراء نهر السينغال . ونشر مقال أخر بنفس الجريدة في 7 جوان 1961م بعنوان الحقيقة عن الحدود المغربية ذكر فيه بان دولة مالي في حدودها السابقة هي الدولة الوحيدة المجاورة للمغرب على الحدود مع الصحراء."*
وضغط الحزب على المملكة والملك الضعيف وحملها على الاعتراف دستوريا بمطالبه، حيث أن المادة الرابعة من القانون الأساسي الصادر بتاريخ 2 جوان 1961م تنص على ضرورة "توحيد" الأراضي المغربية، كما أن المادة 19من الدستور المغربي الصادر في 10 مارس 1972م تتحدث أيضا عن ما يسمى بأقاليم المملكة في حدودها التاريخية.
نوايا سيئة:
وحين تولى الحسن الثاني الحكم عمل على اختراق حزب الاستقلال وتدجينه حتى تبقى المملكة قائمة في المغرب وحتى لا يطالب احد ما بقيام الجمهورية في وقت ما.
ففي سنة 1963م هجمت المملكة المغربية بتحريض من حزب الاستقلال على الجزائر بحجة المطالبة بأراضي تاريخية له، لكن حين لم ينجح الهجوم عاد الحزب يحرض المملكة على معاودة الحرب في كل الاتجاهات لتحرير "المغرب الكبير"، وكان غزو الصحراء الغربية هو قمة المصالحة بين حزب الاستقلال والمملكة وبعدها تمكنت المملكة من الحزب ودجنته وتداخلت العلاقات بينهما إلى درجة أنه لا يمكن إن تفرق بين سياسة المملكة وسياسة الحزب، بل صار هو حزب الملك.
وفي أيدلوجيتة الحالية لازال هذا الحزب يضمر الشر لشعوب المنطقة، ففي مقراته لازال يعلق خريطة المغرب "الكبير" التي تمتد إلى نهر السينغال ولا زال يحرض الشباب في المدارس على التوسع ويحرف لهم التاريخ. فمن منظوره الاستراتيجي أنه على المملكة أن تحتفظ بالصحراء الغربية ولا تفرط فيها، لأنها بالنسبة له هي الطريق إلى " استعادة " موريتانيا.
من جهة ثانية يسير هذا الحزب والمملكة يدا في يد ويتفقان سياسيا، فهو الآن رمز الديمقراطية من منظور المملكة وهو الذي يقطع الطريق أمام أي حزب يريد أن ينفذ ديمقراطية حقيقية، ويقف عقبة كأداء أم التغيير الحقيقي بتمسكه بالنظام الملكي الدستوري ورفضه لإجراء أي تعديل دستوري يمس حرمة المملكة. ففي الانتخابات الأخيرة استطاع أن يقضي على طموح حزب العدالة والتنمية باستعماله المفرط لقوة المال العام ومال المملكة الخاص، ونجاحه سيجعل المملكة تتنفس الحرية سنوات جديدة دون أن يسبب لها أحد ما صداعا ما.
ــــــــــــــــــ
- للمقال مصادر
بقلم: السيد حمدي يحظيه